قانون الغاب في عصر الذرة: من يمنح حق الحرب في عالم بلا حَكَم؟

قانون الغاب في عصر الذرة: من يمنح حق الحرب في عالم بلا حَكَم؟

الهجوم على إيران, أمريكا وإسرائيل, الحرب في الشرق الأوسط, البرنامج النووي الإيراني, الشرعية الدولية, القانون الدولي, الصراع الإيراني الأمريكي, مجلس الأمن, النظام العالمي, تحليل سياسي

28 فبراير 2026

في فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، دوّت انفجارات عنيفة في سماء طهران. لم يكن الأمر حادثاً غامضاً ولا مواجهة حدودية محدودة، بل عملية عسكرية منسّقة نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران.

وبينما التزمت العواصم الكبرى لغةً حذرة، طرح القانون الدولي سؤالاً صريحاً: هل نحن أمام عمل دفاعي مشروع… أم سابقة جديدة لتجاوز قواعد النظام العالمي؟

الشرعية الغائبة: ماذا يقول القانون الدولي؟

ينصّ ميثاق الأمم المتحدة — وتحديداً المادة 2(4) — على حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. الاستثناءان الوحيدان هما:

  • تفويض صريح من مجلس الأمن
  • حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 بعد وقوع هجوم مسلح

حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم يُعلن عن صدور قرار من مجلس الأمن يجيز العملية، كما لم تُبلَّغ المنظمة رسمياً بتعرّض الأراضي الأمريكية أو الإسرائيلية لهجوم مباشر من إيران.

خبراء قانون دولي وصفوا ما حدث بأنه قد يندرج ضمن الضربات الوقائية أو الاستباقية — وهي منطقة رمادية قانونياً ومثيرة للجدل منذ حرب العراق 2003.

المبررات الأمنية: تهديد نووي أم حسابات استراتيجية؟

تقول مصادر غربية إن العملية استهدفت منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. وتؤكد واشنطن وتل أبيب منذ سنوات أن طهران تقترب من “نقطة اللاعودة” في تخصيب اليورانيوم.

لكن إيران، الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تصرّ على أن برنامجها سلمي وتحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

المفارقة أن دولاً نووية خارج المعاهدة — وعلى رأسها إسرائيل — لا تخضع لأي تفتيش دولي شامل.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل المشكلة في امتلاك السلاح… أم في هوية من يمتلكه؟

التحالف الأمريكي–الإسرائيلي: شراكة أم اندماج استراتيجي؟

تُعدّ العلاقة بين واشنطن وتل أبيب من أكثر التحالفات العسكرية والسياسية تماسكاً في العالم. الدعم الأمريكي يشمل:

  • مساعدات عسكرية سنوية ضخمة
  • غطاء دبلوماسي في مجلس الأمن
  • تعاون استخباراتي وتقني متقدم

ويرى محللون أن العمليات المشتركة تمثل انتقالاً من تحالف تقليدي إلى ما يشبه هيكل أمني موحّد في الشرق الأوسط.

عالم بلا توازن: أين القوى الكبرى الأخرى؟

خلال الحرب الباردة، كان ميزان الرعب النووي يفرض قيوداً على أي مغامرة عسكرية واسعة. أما اليوم، فروسيا منشغلة بحرب أوكرانيا، والصين تفضّل الحذر، والاتحاد الأوروبي منقسم بين المبادئ والمصالح.

أما مجلس الأمن، فيبقى مشلولاً بفعل حق النقض.

النتيجة: فراغ ردعي يسمح للقوة العسكرية بأن تصبح الأداة الأكثر حسماً في العلاقات الدولية.

معيار مزدوج للنووي

يمتلك العالم اليوم عدة دول نووية معلنة أو غير معلنة، ومع ذلك يُسمح للبعض بامتلاك الترسانة بينما يُمنع آخرون حتى من الاقتراب من التقنية.

معاهدة عدم الانتشار تقوم على صفقة تاريخية: الدول غير النووية تتخلى عن السلاح مقابل التزام الدول النووية بنزع تدريجي له — وهو التزام لم يتحقق فعلياً.

لذلك يرى منتقدون أن النظام النووي العالمي أصبح آلية لضبط التوازن… لا لتحقيق نزع السلاح.

هل ما حدث بداية مرحلة أخطر؟

الضربات الوقائية تحمل دائماً خطر الردّ المتسلسل. إيران تمتلك شبكة من الحلفاء والقدرات الصاروخية التي قد توسّع الصراع إقليمياً.

الشرق الأوسط منطقة عالية الاشتعال، وأي تصعيد قد يهدد طرق الطاقة العالمية والملاحة الدولية واستقرار دول عديدة.

النظام الدولي على المحك

ما حدث لا يطرح فقط سؤالاً حول إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل حول النظام الدولي نفسه:

  • هل ما زالت القوانين تحكم القوة؟
  • أم أن القوة هي التي تعيد كتابة القوانين؟

خلاصة استقصائية

الهجوم على إيران — مهما كانت مبرراته الأمنية — يكشف عن حقيقة أعمق: العالم لا يعيش تحت نظام قانوني موحّد، بل تحت توازن قوى متغيّر.

السؤال الذي يواجه البشرية اليوم ليس من انتصر في ضربة عسكرية، بل: هل لا يزال هناك نظام عالمي قادر على منع الحرب… أم أننا عدنا إلى قانون الغاب في عصر القنبلة الذرية؟

الأيام المقبلة لن تحدد فقط مستقبل الشرق الأوسط، بل شكل النظام الدولي لعقود قادمة.

أحدث أقدم